الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

134

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالتقدير هنا : دأبهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ، أي من الأمم المكذّبين برسل ربّهم ، مثل عاد وثمود . والدأب : العادة والسيرة المألوفة ، وقد تقدّم مثله في سورة آل عمران . وتقدّم وجه تخصيص آل فرعون بالذكر . ولا فرق بين الآيتين إلّا اختلاف العبارة ، ففي سورة آل عمران [ 11 ] كَذَّبُوا بِآياتِنا وهنا كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ، وهنالك وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [ آل عمران 11 ] وهنا إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ . فأمّا المخالفة بين كَذَّبُوا [ آل عمران : 11 ] و كَفَرُوا فلأنّ قوم فرعون والذين من قبلهم شاركوا المشركين في الكفر باللّه وتكذيب رسله ، وفي جحد دلالة الآيات على الوحدانية وعلى صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فذكروا هنا ابتداء بالأفظع من الأمرين فعبّر بالكفر بالآيات عن جحد الآيات الدالّة على وحدانية اللّه تعالى ، لأنّ الكفر أصرح في إنكار صفات اللّه تعالى . وقد عقبت هذه الآية بالتي بعدها ، فذكر في التي بعدها التكذيب بالآيات ، أي التكذيب بآيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجحد الآيات الدالّة على صدقه . فأمّا في سورة آل عمران [ 11 ] فقد ذكر تكذيبهم بالآيات ، أي الدالّة على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، لأنّ التكذيب متبادر في معنى تكذيب المخبر ، لوقوع ذلك عقب ذكر تنزيل القرآن وتصديق من صدق به ، وإلحاد من قصد الفتنة بمتشابهه ، فعبّر عن الذين شابهوهم في تكذيب رسولهم بوصف التكذيب . فأمّا الإظهار هنا في مقام الإضمار ، فاقتضاه أنّ الكفر كفر بما يرجع إلى صفات اللّه فأضيفت الآيات إلى اسم الجلالة ؛ ليدلّ على الذات بعنوان الإله الحقّ وهو الوحدانية . وأمّا الإضمار في آل عمران فلكون التكذيب تكذيبا لآيات دالّة على ثبوت رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فأضيفت الآيات إلى الضمير على الأصل في التكلّم . وأمّا الاختلاف بذكر حرف التأكيد هنا ، دونه في سورة آل عمران [ 11 ] ، فلأنّه قصد هنا التعريض بالمشركين ، وكانوا ينكرون قوّة اللّه عليهم ، بمعنى لازمها ، وهو إنزال الضرّ بهم ، وينكرون أنّه شديد العقاب لهم ، فأكّد الخبر باعتبار لازمه التعريضي الذي هو إبلاغ هذا الإنذار إلى من بقي من المشركين ، وفي سورة آل عمران [ 11 ] لم يقصد إلا الإخبار عن كون اللّه شديد العقاب إذا عاقب ، فهو تذكير للمسلمين وهم المقصود بالإخبار بقرينة قوله ، عقبه : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : 12 ] الآية .